طَيْفُكِ يُنْعِشُ رُوحِي
لَمْ تَكُنْ أُمِّي تَغِيبُ حَقًّا، حَتَّى حِينَ غَيَّبَهَا البُعْدُ عَنْ عَيْنَيَّ.
كُنْتُ أَشْعُرُ بِهَا فِي تَفَاصِيلِ أَيَّامِي الصَّغِيرَةِ، فِي فِنْجَانِ القَهْوَةِ الَّذِي أُعِدُّهُ عَلَى عَجَلٍ، وَفِي الدُّعَاءِ الَّذِي يَسْبِقُ نَوْمِي، وَفِي ذَلِكَ الِاطْمِئْنَانِ الغَامِضِ الَّذِي يَزُورُ قَلْبِي كُلَّمَا ضَاقَتْ بِي الدُّنْيَا.
أُحِبُّ أُمِّي… لَا لِأَنَّهَا مَنَحَتْنِي الحَيَاةَ فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّهَا عَلَّمَتْنِي كَيْفَ أَعِيشُهَا بِقَلْبٍ نَقِيٍّ. كَانَتْ تَقُولُ إِنَّ الأَرْوَاحَ لَا تَفْتَرِقُ، وَإِنَّ الطَّيْفَ الصَّادِقَ يَبْقَى حِينَ تَعْجِزُ الأَجْسَادُ عَنِ الحُضُورِ. لَمْ أَفْهَمْ كَلِمَاتِهَا آنَذَاكَ، حَتَّى صِرْتُ أَبْحَثُ عَنْهَا فِي الغِيَابِ.
فِي لَيَالِي التَّعَبِ، حِينَ يَثْقُلُ صَدْرِي بِالهُمُومِ، يَمُرُّ طَيْفُهَا بِهُدُوءٍ. لَا أَرَاهُ بِعَيْنَيَّ، وَلَكِنِّي أَشْعُرُ بِهِ يَرْبِتُ عَلَى قَلْبِي، يَهْمِسُ لِي: «سَتَمُرُّ هَذِهِ الغُمَّةُ، كَمَا مَرَّتْ غَيْرُهَا». فَأَبْتَسِمُ رَغْمَ الدُّمُوعِ، وَأُدْرِكُ أَنَّ حُضْنَهَا مَا زَالَ يَسْكُنُنِي.
كَانَتْ أُمِّي وَطَنًا لَا يَخْذُلُ، وَمَلْجَأً لَا يُغْلَقُ بَابُهُ. حِينَ أَتَعَثَّرُ، أَسْمَعُ صَوْتَهَا يَنْهَضُ بِي مِنَ الدَّاخِلِ، وَحِينَ أَفْرَحُ، أَتَمَنَّى لَوْ تَرَى كَيْفَ كَبِرْتُ كَمَا أَرَادَتْ. طَيْفُهَا لَا يُوَبِّخُنِي، بَلْ يُعِيدُنِي إِلَى نَفْسِي، وَيُذَكِّرُنِي أَنْ أَكُونَ كَمَا رَبَّتْنِي: قَوِيًّا، رَحِيمًا، وَمُمْتَلِئًا بِالحُبِّ.
أَعْشَقُ طَيْفَ أُمِّي، لِأَنَّهُ لَا يُطَالِبُنِي بِشَيْءٍ سِوَى أَنْ أَكُونَ بِخَيْرٍ. يَزُورُنِي بِلَا مَوْعِدٍ، وَيُغَادِرُ تَارِكًا فِي رُوحِي سَكِينَةً لَا تُشْبِهُ شَيْئًا آخَرَ. هُوَ النُّورُ حِينَ أَضْعُفُ، وَالدُّعَاءُ حِينَ أَصْمُتُ، وَالطُّمَأْنِينَةُ حِينَ يَخْذُلُنِي كُلُّ شَيْءٍ.
قَدْ يَظُنُّ البَعْضُ أَنَّ الغِيَابَ نِهَايَةٌ، وَلَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ مِنْ أُمِّي أَنَّ بَعْضَ الحُضُورِ لَا يُرَى، بَلْ يُحَسُّ. وَأَنَّ الطَّيْفَ الصَّادِقَ لَا يَرْحَلُ، بَلْ يُنْعِشُ الرُّوحَ كُلَّمَا أَوْشَكَتْ عَلَى الذُّبُولِ.
وَهَا أَنَا أَعِيشُ…
أُحِبُّ أُمِّي كَمَا كُنْتُ،
وَأَعْشَقُ طَيْفَهَا كَمَا لَمْ أَعْشَقْ شَيْئًا مِنْ قَبْلُ،
لِأَنَّهُ مَا زَالَ الحَيَاةَ حِينَ تَتْعَبُ الحَيَاةُ.
الاستاذ: فاروق بوتمجت( الجزائر 🇩🇿)