زواج على حافة الهاوية
تنحدر منال من أسرة ميسورة، متماسكة الجذور، تحتلّ المرتبة الثانية بين ثلاثة أبناء: أخٌ أكبرها بخمس سنوات، وآخر يصغرها بأربع. كانت واسطة العقد، مدلّلة البيت وبهجته، في العشرين من عمرها، تحمل ملامح أنثوية هادئة، امتزج فيها الجمال بامتلاء محبّب يزيدها وقارًا وحضورًا.
نشأ الأبناء في كنف أسرة مستورة الحال، تحرس القيم كما يُحرَس الكنز. أبٌ موظف في إدارة عمومية، وأمٌّ معلمة لغة عربية، تزن الكلمات كما تزن القيم، فغرس الاثنان في أبنائهما حبّ الاستقامة والالتزام. عُرفت العائلة بسمعتها الطيبة، وبسيرتها التي لا تشوبها شبهة، لا بين الأقارب ولا في أعين الجيران.
لم يكن حظّ الابن البكر موفورًا دراسيًا؛ إذ تعثّر في نيل شهادة البكالوريا، غير أن الأقدار فتحت له بابًا آخر، حين تدخّل أحد ذوي الجاه من العائلة، فاجتاز مباراة الشرطة بنجاح، والتحق بسلكها.
أما منال، فكانت نقيضه الدراسي؛ متفوّقة، مجتهدة، اجتازت البكالوريا بميزة حسن، لتلتحق بمدرسة المعلمين، فيما ظلّ الأخ الأصغر يواصل مساره الثانوي.
خلال فترة التكوين، التقت منال بأحمد. لم يكن اللقاء عابرًا؛ كان أشبه بتقاطُع طريقين كُتب لهما أن يسيرا معًا. نشأت بينهما علاقة هادئة، مبنية على الاحترام والطموح المشترك، فتقدّم أحمد لخطبتها، وبعد التخرّج أقاما زفافًا صاخبًا، باذخًا، ظلّ حديث القريب والبعيد.
وكانت الفرحة فرحتين: تخرّجٌ وزواج.
اختارا مدينة السعيدية لقضاء شهر العسل، بسحر شواطئها وهدوء بحرها، غير أن الرياح هناك لم تجرِ بما اشتهته القلوب. ففي غمرة العِشرة الأولى، سقط القناع. اكتشفت منال أن أحمد الذي أحبّت، المثقف الهادئ، يحمل في داخله ترسّبات قديمة، موروثات دفينة، صاغتها أمثال بالية وتقاليد قاسية، من قبيل: (عوّد امرأتك على الاحترام بالعين الحمراء) و(اليوم الأول يموت القط)
تحوّل الزوج فجأة إلى رجلٍ سلطويّ، لا يرى للرأي الآخر قيمة، ولا يقبل شراكة حقيقية. صُدمت منال، وبدأت ترى وجهًا لم تعرفه من قبل. تكاثرت الخلافات، وخرجت مشاكل البيت من جدرانه لتصبح حديث العائلة، بل ومادة تفاخر عند الزوج، الذي كان يقدّم نفسه وريثًا لسلطة لا تستند إلا إلى وهم.
حاولت منال مرارًا إصلاحه، لملمة ما تكسّر، لكنها كانت تقاتل وحدها. تحوّل البيت إلى ساحة غبار لا سكن فيها ولا طمأنينة. أنهكها الصراع، حتى أصابها انهيار عصبي نُقلت على إثره إلى المستشفى، حيث ازدادت حالتها سوءًا، ولم تجد ملاذًا سوى مناشدة والديها بتعجيل طلاقها.
تمّ الطلاق، رغم محاولات الصلح من العائلتين. وبعد أيام من العلاج، تماثلت للشفاء، وعُيّنت معلمة بمدرسة قريبة من بيت والديها. وبحكم كونهما زوجين سابقين من نفس التخصص، جُمِعا في المدرسة نفسها، فصار اللقاء قدرًا يوميًا، صباحًا ومساءً.
كان أحمد أكثر الناس وجعًا. أحبّ منال بصدق، لكنه أدرك متأخرًا أن تهوّره وأنانيته دمّرا كل جميل. بدأ يحاسب نفسه، يراجع أخطاءه، ولا يكاد يفوّت نشاطًا مدرسيًا أو اجتماعًا إلا حضره أملًا في استعادة خيط الحوار.
وفي يومٍ كانت المدرسة تستعد لحفل تربوي، وبوساطة صديقين مشتركين، تمّ اللقاء الذي انتظره طويلًا. اعترف أحمد بأخطائه، دون تبرير، واعتذر بصدق، ووعد أن يكون رجلًا آخر.
كان في قلب منال شيء من الحب لم يمت. فقررت أن تمنحه فرصة أخيرة، لا بدافع الضعف، بل بدافع الاختبار. وفي حفل عائلي بسيط، عاد الزوجان إلى بعضهما، وبدآ المسير من جديد.
كان الطلاق درسًا قاسيًا، لكنه ضروري. راجع كلٌّ منهما حساباته، وتخلّصا من رواسب الماضي. مرّت السنة الدراسية سريعًا، وفي نهايتها جاء الخبر السعيد: منال حامل. طار أحمد فرحًا، وكان نعم الزوج، سندًا وداعمًا.
رزقهما الله غلامًا جميلًا سمّياه يوسف، ثم ببنتين بعده، واستقرت حياتهما، هادئة مطمئنة.
وبالصبر والتحدي والعزيمة، أنقذا بيتهما من الخراب، وتعلّما أن الحب لا يكفي وحده، إن لم يرافقه وعي واحترام وشراكة حقيقية.
بقلم : حليمة نور الدهيري