بقلم الاستاذة حليمة نور الدهيري

 زخات تنقذ ما اندفن( نونبر ٢٠٢٠)

واقعٌ ظلّ يحاصر الذاكرة كلما حلّ الشتاء.


يخيم السكون، ويكتسي العالم بالسواد، وتشلّ الحركة، فيخلد الجميع إلى سباتٍ عميق يحاكي صمت القبور.


ماذا جرى؟


قشعريرة البرد حكمت بالشلل التام.


من نافذتي أسمع زخّات المطر.


الكون يجدد شبابه، ينعش الأرض، ويوقظ في داخلنا أملًا لغدٍ أفضل.


أمام المدفأة، حنينٌ نفسيّ متلوّع إلى أنفاسٍ دافئة.


وفي وسط الصمت المطبق، يُسمع زمهرير الرياح وعصف الثلوج، وكأنها تنعى بقايا الإنسانية.


من نافذة غرفتي أشاهد جمودًا لم أعهده من قبل.


تتناثر حبات المطر كأنها تعزف أوبريت الخلود،


وتتصاعد الوتيرة المطرية متحديةً جمود المكان.


تنعشني نسمات الأرض وهي تلفظ أثقالها،


وبزفيرٍ يُخيّل إليك أنها أخرجت عبء السنين كلها.


ليته يغسل قلوب البشر من أحقاد الصدور وسواد القلوب.


بين المدفأة وزخّات المطر، ورقص ستائر نافذتي،


أخذني الحنين، وسافرت بي الذكريات المتسربلة بالأحلام


إلى الصبا، إلى حضن العائلة الذي هجرته باكرًا


بحثًا عن منصبٍ أو وجاه،


ولم يكن الحلم إلا سرابًا.


أرعدت السماء فجأة، فأيقظتني من حلمٍ عاصف مرّ في البال،


وأيقظت كل ما اندفن منذ زمن.


شعرت بنفحاتٍ باردة وقشعريرةٍ تسللت إلى الجسد.


جاء المساء حاملًا كآبة الشتاء وقسوة لياليه.


وبين عاصفةٍ وإعصار، تنهمر الأمطار بغزارة،


فأتذكر غطاء جدتي الصوفي،


ذلك الذي كان يمنحني الدفء والأمان،


وأتذكر متعة فناجين الشاي، وطمأنينة الجلسات العائلية.


للشتاء ذكريات جميلة في حضن العائلة والأحباب؛


فحبهم وحده كفيل بأن يملأ الأرض دفئًا،


رغم القسوة والإعصار.


أحبكِ، يا أجمل فصول السنة،


ففيكِ يتجدد الأمان،


وتتجدد خلايا الأرض،


ويُروى كل عطشان.


ورغم البرد والزمهرير،


ورغم العاصفة والأمطار،


ستظل ذكراك الأجمل،


ويظل صقيعك وثلجك الأحلى.


بقلم : حليمة نور الدهيري

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال