درس تــحـت الــمـاء
...........................
كُــنّــا صــغــارًا والـمـيـاهُ مَـــدارُ
نـلعبُ والـضِّحكُ الـجميلُ شعارُ
فـي الـسواقي كُنّا نختبرُ النَّفَسَ
والــتــحــدّي بــيــنـنـا إصـــــرارُ
غـرّنـي الـصمتُ الـعميقُ وغـفلةٌ
فــتـمـادى الــوهــمُ والاغــتــرارُ
مــررتُ مــن بـابِ الـتيارِ خـفيةً
والــسـرُّ فـــي الــصـدرِ مـحـتـارُ
زادَ الـضـغطُ… لـم أنـتبهْ لِـفِعالهِ
فـانـقـلبَ الـلـعـبُ إلــى إعـصـارُ
شــدّنــي الــمــاءُ، لا هــــواءَ ولا
قــوّةٌ… والـوقـتُ في احـتـضـارُ
مرّت حياتي في الخيالِ سريعةً
أمِّــــــي… ودمـــــعٌ وانــكــسـارُ
وحــيـنَ سـقـطتُ بــلا مـقـاومةٍ
جـــــاء الــلـطـفُ… والاخــتـيـارُ
قـذفـتني الـمـوجةُ الـكبرى إلـى
نـــــورِ شــمــسٍ فــيــه إقــــرارُ
عـلّـمـتـني أنّ الـبـطـولـةَ وعـــيٌ
لا رقـــــــــــمٌ… لا افــــتـــخـــارُ
وأنّ بــعـضَ الـلـعـبِ مـــوتٌ إذا
غــــــابَ الــعــقــلُ والاعــتــبـارُ
وأنّ روحَ الــمــرءِ أغــلــى مـــن
لقبٍ يزولُ… ورهانٍ عابرٍ خسّارُ
احذرْ غرورَكَ إنَّ شيطانَكَ غدّارُ
لا يُؤمَنُ المكرُ إن طالَ الإصرارُ
والـحـمدُ لـلـهِ إذ نـجّاني بـلطفِهِ
فـالنجاةُ فـضلٌ… ولـيسَ اقتدارُ
درس تحت الماء
كنا صغارًا نسبح في السواقي المعلّقة. وكان لهذه السواقي نظام خاص في تصريف المياه وتحويلها؛ فعند كل نقطة تحويل كانت تصبّ في خزانات كبيرة يختلف ارتفاعها بحسب ارتفاع الساقية، فمنها ما يبلغ علوه أربعة أو خمسة أمتار.
ثم يخرج الماء من أسفل الخزان إلى حوض عبر فتحة مستطيلة، قُطرها – حسب تقديري – نحو ستين سنتيمترًا عرضًا وأربعين علوًا، ومنها يسير في ساقية متصلة بذلك الحوض الذي كنا نسبح فيه، ونستعرض مهاراتنا في كتم الأنفاس تحت الماء.
في إحدى المرات كان منسوب ضغط المياه منخفضًا، ولم نتفطن لذلك. غطست في الحوض، وأصدقائي يعدّون الزمن لأرى كم أستطيع الصمود دون نفس. وكنا حين نغطس نتجنب التيار المتدفق من تلك الفتحة، فأمسك بحافتها حتى لا يدفعني الماء.
في غطستي الثانية لاحظت أن قوة الدفع ضعيفة، فساورني الفضول أن أمرّ عبرها. فعلت، وحين عبرت وجدت أن الخزان أشبه بغرفة يغطيها شلال الماء من الأعلى، وفيها هواء. تنفست، وأعجبني المنظر؛ كان منسوب المياه داخلها يبلغ مستوى صدري. كان شيئًا رائعًا، والأروع أن أصدقائي يظنون أنني ما زلت في الحوض الخارجي أكتم أنفاسي.
عندما خرجت لم أخبرهم بما اكتشفت، وبقي سرّ الغرفة داخل الخزان طيّ الكتمان. انبهروا بقدرتي على التحمل، وأعجبتني الفكرة، فقبلت الرهان على أنني أستطيع كتم أنفاسي مدة أطول. راهنوني، وفزت بالرهان، ولُقّبت في تلك الظهيرة بالبطل الخارق.
بعد نحو ساعتين أقبل طفل آخر، وكان يُعدّ أمهرنا في الغوص. أخبروه أنني انتزعت منه الرقم القياسي، وأنه لم يعد قادرًا على مجاراتي. تحداني، فقلت له: انزل. نزل أولًا، وكنا نعدّ له الزمن، حتى نفد تحمّله وخرج. ضحكنا عليه، وقالوا له: لم تصمد حتى نصف المدة التي قضاها "صالح".
نزلت بعده، ولم أنتبه إلى أن ضغط المياه قد ارتفع. حاولت المرور عبر الفتحة بصعوبة، لكن التيار كان شديدًا. وعندما عبرت وجدت أن منسوب المياه داخل الغرفة قد ارتفع أيضًا، فغمرني تمامًا، ولم يعد فيها هواء. حاولت السباحة لأصعد، لكن جاذبية الماء كانت تشدني إلى الأسفل. حاولت الرجوع عبر الفتحة فلم أستطع؛ كانت هناك دوامة تمنعني من التركيز. حاولت التسلق، لكن الجدران كانت زلقة مغطاة بالطحالب.
بدأت أفقد الوعي، وشريط حياتي يمر أمام عيني في لحظات. تخيلت أهلي، وتخيلت والدتي، وكيف سيكون حالها حين تسمع بخبر موتي. كانت دقائق رهيبة، اختلط فيها الحلم بالواقع؛ خوف لا يوصف. شعرت كأنني أسبح في الفضاء، وفي الوقت نفسه كأنني تحت الأرض. أشعر أنني أعدو وألهث، وفي الآن ذاته كأنني مقيد بسلاسل، حتى فقدت الوعي تمامًا.
وهنا تدخلت القدرة الإلهية. حين فقدت المقاومة وارتخى جسدي، قذفتني المياه من تلك الفتحة، وأخرجتني إلى الحوض، ثم حملتني في الساقية، وأصدقائي لم يلاحظوا خروجي لكثرة الزبد فوق سطح الماء. كانت المياه تجرّني وأنا في غيبوبة، حتى أحسست بأشعة الشمس. استيقظت من غيبوبتي وأنا أتقيأ الماء الذي ابتلعته.
ومنذ تلك الحادثة فهمت أن بعض الألعاب لا تمنح فرصة ثانية، وأن الفضول حين لا يرافقه وعي قد يقود صاحبه إلى الهلاك. وأدركت أن التفاخر، ولو بدا بريئًا في أعين الصغار، قد يعمي عن أخطر التفاصيل، وأن الطبيعة لا تُجَامَل ولا تُقاس بتجربة سابقة؛ فالماء الذي كان صديقنا في لحظة، كاد أن يكون قبرًا في لحظة أخرى.
تعلمت أن البطولة الحقيقية ليست في كسر الأرقام ولا في إبهار الآخرين، بل في معرفة حدود النفس، والتوقف عند أول إنذار. وأن الإنسان مهما ظن نفسه قويًّا، يظل ضعيفًا أمام قوى لا يملك التحكم فيها، وأن النجاة أحيانًا لا تكون بمهارة ولا بذكاء، بل بلطفٍ إلهيٍّ خفيٍّ يتدخل حين تنقطع الأسباب.
تلك اللحظات القاسية لم تترك فيّ خوفًا فقط، بل تركت وعيًا جديدًا بقيمة الحياة، وبأن لحظة تهوّر قد تغيّر مصير عائلة كاملة، وبأن سلامة الروح أثمن من أي رهان، وأغلى من أي لقب عابر
بــــــقلم القصاد "صالح حباسي "