بقلم الاستاذ الشاعر صالح حباسي

 لـــيـــلـــة الـــعــنــايــة

كـنـتُ طـفـلًا والـحِـملُ فــوقَ جَـنانِي


والـــدربُ قـــاسٍ والـلـيـالي دُخـانِـي


أبـصَـرَ قـلـبي حـيـن كُــفَّ بـصـرُ أبـي


وانــهـالـتِ الأعــبــاءُ فــــوقَ كِـيـانـي


بـسـتـانُـنـا كـــــلُّ الــحــيـاةِ لأهــلِــنـا


والـنـاسُ حـولي بـين طـمعٍ وطـغيانِ


قــمـتُ الـصـبـاحَ أوزّعُ الـعـملَ الــذي


أكـبـرُ مــن عـمري وأثـقلُ مـن زمـاني


حــتــى إذا جـــاءَ الــظـلامُ مـوحـشًـا


وتـلـبّـسَ الــخـوفُ الــفـؤادَ بـمـكـاني


بــردُ الـشـتاءِ وخـرخـرةُ الـمـاءِ الـتـي


تــجــري كـسـكّـيـنٍ بــعـمـقِ كــيـانـي


غُصنُ الشجرْ صارَ الجسدْ في ناظري


والــلــيـلُ زادَ تــوهُّـمـي وامـتـحـانـي


نـاديـتُ كـلـبي، خـانني وهـمُ الـدجى


فـمـا أجــابَ ســوى صــدى الأحــزانِ


فـرفـعتُ صـوتـي بـالقرآنِ مُـستجيرًا


حـتى اسـتقامَ الـخوفُ تـحتَ لساني


يــسَ كـنتِ آخـرَ مـا حـفظتُ طـفولةً


فــغــدوتِ فــجـري، قــوتـي، أمــانـي


فـــــإذا بــنــورٍ لاحَ خــلــفَ ظــهــري


دفءٌ يُـنـاديـني تـجـلّـدْ واطـمـئِـنّاني


«لا تـخفْ… اللهُ مـعك» هـمسةُ أختٍ


فـي الـدينِ، فـي الحقِّ، في الإحسانِ


قـالـت: «اعـمـلْ، ودعِ الـمـياهَ تـفيضُ


نــــامَ الـيـقـيـنُ بــراحــةِ الـعُـمـيـانِ»


فـفـعـلتُ، ثــم نـمـتُ نــومَ الـمـطمئنّ


كــأنــنـي فـــــي حــضــنِ أمٍّ حــانِــي


حـتـى أتــى الـفـجرُ… والـبـستانُ قـد


ارتــــوى جـمـيـعُـهُ بــفـيـضِ حــنــانِ


كـتمتُ الأمـرَ عـن أمـي مـخافةَ قلبِها


لــكـنّـهـا أحـــسّــتْ بــثــقـلِ شـــانــي


قـالـتْ: «بُـنَيَّ، وراء عـينيكَ حـكايةٌ»


والـحـبُّ يـفـضحُ ســرَّ مــن كـتـمانِي


الــحـمـدُ لــلــهِ الـــذي لـــم يـتـركـني


وأحــاطــنـي لــطــفًـا بـــكــلِّ أمــــانِ


بـــــقلم القصاد صالح حباسي 


ليلة العناية 


................ 


في عام 1981 ابتُلي والدي، رحمه الله، بفقدان البصر، واستمر ذلك قرابة سنتين. كنتُ في تلك الفترة تلميذًا في المرحلة المتوسطة. وكان والدي يمتلك بستان فواكه هو مصدر عيشنا الوحيد. وبعد ابتلائه، ظنّ معظم الناس أن بستاننا سيضيع، ومنهم من طمع في شرائه لأن صاحبه لم يعد قادرًا على العمل فيه، وكان من بينهم جيراننا المحاذون للبستان.


فأخذتُ على عاتقي مسؤولية التكفّل بالبستان، وأنا تلميذ لم أتجاوز الثالثة عشرة من عمري. كنت أنهض باكرًا، وأتجه إلى البستان حاملًا فطور العمّال الذين يعملون فيه. أحلب بقرتي، وأعلفها، وأضع لها العشب الذي جمعته عشية اليوم السابق، ثم أوزّع العمل على العمّال، وأعود على دراجتي إلى مدرستي.


بعد خروجي من المدرسة أرجع إلى البيت، فأجد الوالدة، رحمها الله، قد حضرت الغداء لعمّال البستان. أدخل فأغيّر كتب وكراريس مواد الفترة الصباحية بكتب وكراريس الفترة المسائية، أحمل قفّة الغداء، وأنطلق مسرعًا على دراجتي إلى البستان الذي كان يبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن المنزل. أتناول غدائي رفقة العمّال، وقبل الثانية زوالًا أكون أمام متوسّطتي لأكمل الفترة المسائية.


غير أنّ الأمر الذي كان يشقّ عليّ حقًا هو السقي، خاصة إذا صادفتني ساعات المناوبة ليلًا. كنت أضاعف أجر أحد العمّال ليبيت معي ونسقي البستان. وفي إحدى المرّات تغيب عني هذا العامل ولم يأتِ…


هنا تبدأ قصتي.


كانت ليلةً شتويةً باردة، وكانت نوبة السقي تبدأ من الثامنة ليلًا إلى الثانية صباحًا. وما إن دقّت الساعة الثامنة حتى توجهت إلى مربط تصريف المياه لأحوّلها إلى بستاننا. وبينما كنت أربط المصرف وأثبّته بالطين، كان جاري واقفًا يراقبني ويحادثني.


قال لي ساخرًا:


«منذ سنتين، في مثل هذا التوقيت، سلّمتُ نوبة السقي لوالدك وغادرت، وأثناء مغادرتي هذا المكان كنت أمشي، وكانت سلسلة من الحديد يزيد طولها عن مترين تتبعني وتصدر صوتًا، إلى أن بلغت حي أربعين مسكن، حيث كانت إنارة الشوارع مضيئة، فاختفت».


ثم ضحك وقال:


«اليوم امتحنك… إن كنت فعلًا رجلًا لا تخاف».


ومضى، تاركًا إيّاي وحدي بين الأشجار، في ظلام دامس. البرد قارس، والرياح تصفر، وصوت المياه يخرخر في السواقي. تماسكت في بادئ الأمر، لكن بعد مرور ما يقارب ساعة ابتلت ثيابي، وبدأت أرتجف من شدة البرد. تسلل الخوف إلى قلبي، وبدأت أسمع أصواتًا تكلمني، وتحولت الأشجار في نظري إلى أجساد متحركة، صارت أغصانها أطرافًا تمتد نحوي كأنها تريد الإمساك بي.


كان معي كلب يحرسني، ناديته فلم يستجب، فإذا به في خيالي يتحول إلى شيخ يصوّب نحوي السهام كأنه يريد اصطيادي.


أغمضت عينيّ، وبدأت أتلو القرآن بصوت عالٍ. في البداية كنت مرتبكًا، أقرأ آية أو آيتين من سورة، ثم أجد نفسي قد انتقلت إلى سورة أخرى. لكني لم أيأس. واصلت القراءة حتى تمكنت من قراءة سورة يس كاملة، فهي آخر سورة حفظتها في المسجد، وكانت لا تزال راسخة في ذهني. ومعها، بدأت أهدأ تدريجيًا.


شعرت بدفء يحتويني، وصوت يهمس في أذني:


«لا تخف، أنا معك… أنا أختك في الدين. تجلّد، أنا معك».


استدرت، فإذا بنور يشع، وصورة سبحان الخالق: امرأة حسناء تقف خلفي. كانت الطمأنينة والراحة اللتين شعرت بهما آنذاك لا تزالان تسكنان ذاكرتي إلى اليوم، ولن أنسى صورتها ما حييت. أعادت القول:


«لا تخف، أنا معك. تجلّد. احمل فأسك، واربط كل الأحواض، ودعها تصب في بعضها. ثم اختر مكانًا في أسفل البستان، وتمدد. ثق بي، وافعل ما أمرتك به».


ففعلت دون تردد. وضعت رأسي، ولم أشعر بشيء بعدها. غرقت في نوم عميق، حتى أيقظني صوت جارنا الذي جاء ليستلم مني نوبة الماء. حينها علمت أن وقت سقايتي قد انتهى.


صعدت إلى الكوخ الموجود في بستاننا، أشعلت النار، نزعت ثيابي المبللة، ولففت جسدي بأكياس الخيش التي كنا نخزن فيها العلف. نشرت ثيابي قرب النار، ولم أشعر إلا والنعاس يغلبني، فنمت إلى الصباح.


عندما استيقظت، وجدت النار قد انطفأت، وثيابي قد جفّت. ارتديتها وخرجت أراقب ما فعله الماء في البستان، وكم من حوض ارتوى. فانبهرت بما رأت عيناي: كان البستان كله مسقيًا، لدرجة أن ذلك كان مستحيلًا في ست ساعات؛ إذ كان المفترض أن يُسقى نصف ما سُقي فقط.


عدتُ إلى البيت، وأخفيتُ ما حدث لي تلك الليلة، خشية أن أُفزع أهلي أو أُقلقهم. غير أن والدتي — رحمها الله — شعرت بأن أمرًا غير عادي قد مرّ بي. سألتني مرارًا: «ماذا حدث معك؟» فأنكرتُ، ولم أُخبرها. ألحّت كثيرًا، ولم تيأس من السؤال، حتى بعد مرور زمن طويل. كنتُ قد عدتُ بعدها لياليَ أخرى إلى السقي، ولم يتكرر ذلك الموقف أبدًا. عندها فقط، وبعد أن مضى وقت على القصة، أخبرتها بما جرى.


عندها علمت أنه أمرٌ من الله، وأن جنود الله هم من حموني تلك الليلة، وهم من تولّوا سقي البستان.


فسبحان الله وبحمده.


ومنذ تلك الليلة، كلما مررت بالبستان ليلًا، تذكّرت ذلك الصبي ذي الثلاثة عشر عامًا، وكيف لم يكن وحده كما ظنّ. كانت تلك أول مرة أفهم فيها أن الله لا يترك عباده، ولو تركهم الناس جميعًا.


بــــــقلم القصاد "صالح حباسي"

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال