إبن الجنوب أنا
سليل كثبان الرمال و الصحراء
تلفحني شمس الهجير و الرمضاء
كل صباح و مساء
تغازل جلدتي السمراء
إخشوشنت طِباعي
إلتحَفَتْ رداء الجدبِ و البيداء
و عزة نفسي كالنخلة الباسقة
أصلها ثابت في الأرض
و فرعها يعانق السماء
أما إبتسامتي
فهي مشهد لواحةٍ خضراء
و ظلها ظليل
أرسلها لكل عابر سبيل
براءة و صدق و أمانة
لا أعرف الخداع و المكر و الدهاء
إبن الجنوب أنا
نشأت على مكارم الأخلاق و الحياء
في الحلِّ و الترحالِ
لي صولةٌ و جولةٌ و دائمًا أنا هنا
أصلي شريف و به أفتخر
كالصخر الصّلدِ أواجه الصعاب
لا يأس عندي في السرّاء و الضراء
في الكرمِ شِعارنا السّخاء
و رغم الفقرِ لنا عِزٌّ و كبرياء
و تأبى نفسي الموت جوعًا
على أن آت أعتاب البخلاء
تكفيني حبات تمرٍ في هناءٍ
و كسرةُ خبز و شربةِ ماء
إبن الجنوب أنا
لا أصاحب عديم مروءة
و لا أتزلّف في سبيل منفعةٍ
لا أتسلّقُ لِنيلِ منزلةً
فهذا كله عندي يسمّى غباء
و لي لينُ جانبٍ في معاملتي
يغبطه الأعداء و الأصدقاء
لا أخونُ عِشرةٌ
طعامنا فيها الملحُ و الماء
و لستُ إن أبديت لك طيبةً
بذاك الساذجِ كما ظننتَ
أو كما تحسَبُ أنت أني من الأغبياء
فلو أستعمل مكري لحظةً
ترى ما يدهشُ عقلك من أعاجيب الذكاء
غير أنِّي تربيتُ منذ نعومة أظافري
أن أكون وفيًّا طيبًا
و أصْلِي أعاملك به رغم ما فيك دهاء
و لستُ بذاك الوضيع الذي
يلهث كالكلبِ العقورِ
يجري يحرك ذيله خلف النّساء
تربّيت و أنا إبن باديةٍ
أن أحفظ الأرضَ و أصون العرضَ
تعلّمت أن الكرامةَ لا بَيعٌ فيها و لا شِراء
و أن رضا الوالدين خير مكرُمةٍ
و طاعة الله في كل سعْيٍ
تصحبهَا الصّلاة و الدّعاء
و أن الكثيرَ من القناعةِ
تُغنينا عن إراقةِ ماءِ الوجه
تجعلنا من التّعفُّفِ لدينا الإكتفاء
يحسبنا الجاهلُ رغم فقرنا
بأنّنا أصبحنا مُتْرَفِينَ
و نحن بالعزِّ نفوسنا لبست رداء الأغنياء
✍️ محمد آبو ياسين / تونس