تحليل وقراءة أدبية بقلم الشاعرة الأديبة غزلان حمدي من تونس

 تحليل وقراءة أدبية بقلم الشاعرة الأديبة غزلان حمدي من تونس

قصيدة "شارع الضباب" للشاعرة التونسية عائشة ساكري تعكس حالة وجدانية مشبعة بالرمز والحنين، حيث يتداخل فيها الغموض مع البوح، والذكريات مع الضباب الذي يغطي ملامح الطريق الطويل. النص يقوم على ثنائية الحضور والغياب، السرّ واللاسرّ، الضوء والظلام، مما يمنحه بعدًا شعريًا عميقًا يعكس اضطراب الروح واحتدام المشاعر في صمت الليل.


يتشكل النص من لوحات تصويرية متلاحقة، تبدأ من ومض النور الذي يشق الضباب ليمثل الأمل وسط العتمة، وصولًا إلى ضوء القناديل الخافت الذي يحيل إلى خفوت المشاعر وتعبها. الشاعرة توظف المكان – "الشارع الطويل" – ليكون مسرحًا لحكايات الغرام والأساطير، لكنه شارع يغلفه الضباب ويثقل خطاه الحزن.


تبدو الورقة الخريفية رمزًا للعبور والزوال، توقظ الذات من شرودها لتعيدها إلى واقع مثقل بالوجع، فيما يغدو القمر في "آخر شهر من ليالي أيلول" إشارة إلى النهاية والفقد، حيث يطلّ الحزن كرفيق دائم. هذه الصور تلتقي جميعها في نسيج مشبع بالإحساس بالتيه والاغتراب الداخلي.


البوح الذي تعلنه الشاعرة في النهاية "سرٌّ لا وجود له" يكثّف المفارقة الكبرى في النص، إذ يتحول الكلام إلى اعتراف بفراغ المعنى، وكأن السرّ نفسه مجرد صدى لحنين أو وهم قديم. هذا البعد يعكس قدرة الشاعرة على تحويل التجربة الذاتية إلى رؤية شعرية مفتوحة على التأويل، حيث يتجاور الحلم مع السراب، والعطر مع البرد، والذاكرة مع الأسى.


أسلوب عائشة ساكري يتسم بالشفافية والاعتماد على الصور المتلاحقة التي تحمل نغمة موسيقية حزينة، تجمع بين رهافة الإحساس وعمق الرمزية، مما يجعل النص لوحة وجدانية تفيض بالشجن وتستدعي القارئ ليغوص في عوالمها الغامضة والآسرة.


مع تحيات رئيس مجلس الادارة غزلان حمدي


شارع الضباب


بقلمي عائشة ساكري من تونس 


بيني وبينك سرٌّ لا وجود له... 


وميض نورك شق الضباب......


ضوءُ القناديل الخافتُ في 


الشارع الطويل...


حكاوي الغرام تتلى 


على الأرصفة...


وما بين الحاضرين، 


سراب أحلامي يهتف لي...


بصوت ناعم... 


تجاهلته ومضيت في سكون،


توقظني ورقة خريف 


عابرة في لجِّ الظلام.


ترنيمة عشق...تترقرق 


في ليالي الحنين... 


وتجوب بين 


غيم الضباب...


تذكرني بأساطير 


وحكايات السهر الطويل...


مثقلة بالأسى وعبير 


الماضي الجميل...


خيوط الضباب باتت 


تتلاصق وتتلاشى...


تفترق مع وميض 


قمر في آخر شهر 


من ليالي أيلول الحزين...


يا أيها الليل الطويل.... 


يا أيها السكون، 


تربعْ في جوف قلبي 


واخرجني من هذا 


اليمّ الأليم...


 كي أبقى عطراً 


تتلفّعُ به في ليالي 


البرد الحنين...


ودعني أبوح بسرٍّ في 


الأعماق لا وجودَ له...


كنت أخفيه منذ زمن طويل.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال