بقلم الاستاذ فادي عايد حروب

 دمعة الأرض

يُحكى أن الأرض أصيبت بالعقم يوم قرر الإنسان أن يزرع فيها الرصاص بدلاً من القمح. وقفت الأرضُ طويلاً تراقب الدماء وهي تسيل في جوفها، لم تكن الدماء غريبةً عنها، لكنها كانت تخشى أن تنسى رائحة المطر.

في ليلةٍ اشتد فيها صمتُ السماء، انبثقت من شقٍ صخريّ "دمعةٌ" لم تكن ماءً مالحاً، بل كانت عبارة عن مرآةٍ سائلة. من نظر فيها رأى وجه الأرض الحقيقي؛ وجه أمٍّ غضّنتها الحروب، وجففت عروقها الأطماع. تلك الدمعة لم تسقط لتجف، بل سقطت لتصير بئراً، كل من شرب منها أصيب بمرض "الحنين إلى البدء"، حيث لم يكن هناك حدودٌ تُمزق جسد التراب، ولا أسوارٌ تخنق أنفاس الشجر.

الفلسفة في دمعة الأرض هي أن الوجع الإنساني مهما طال، يظل رهيناً للزمان، أما وجع الأرض فممتدٌ عبر الأزل؛ فهي تبكي بصمتِ الزلازل، وتئنُّ بزفرات البراكين، وتنتظر يوماً يعود فيه الإنسان طفلاً يغفو على صدرها، لا جندياً يغرس في قلبها نصلاً.

أنِينُ الثَّرى شَجْوٌ وفي دمعِهِ نَطْقُ

                  إذا ما سقى التربَ المُرَقرقَ ذا العِشقُ

رأيتُ مآقي الأرضِ بالملحِ أُترِعتْ

                  وحَنّتْ إلى فجرٍ يلوحُ بهِ الرفقُ

يصبُّ عليها الظلمُ جمرَ صِراعهِ

                  وفي جوفِها مهدٌ لمن خانَهُ العتْقُ

فلا تحسبوا أنَّ الصخورَ صوامتٌ

                  ففي صمتِها دمعٌ بأحزانِنا يَشْقو

بكينا دماءً، والبلادُ مَريرةٌ

                  ودمعةُ أرضي جُرعةٌ مُرّةُ المَذقُ

سقى اللهُ أرضاً بالوفاءِ تزيّنتْ

                  فما زالَ في أحشائِها يزهرُ الحقُّ

فادي عايد حروب - فلسطين جميع الحقوق محفوظة

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال