لحظات صعبة… حرجة
منذ الساعات الأولى لتلك الليلة القاسية، وحالة والدتي في كل لحظة تزداد سوءًا، كأن الزمن تعمّد أن يبطئ خطاه ليجعل الألم أطول وأشدّ وقعًا على القلوب. وكلما عسعس الليل وأخذ يبسط سكينته وصمته الرهيب فوق أروقة المستشفى، كانت أصوات الآلات الطبية تضطرب فجأة، وتتسارع ومضاتها، وتتعالى صلصلة أجراسها المزعجة فتخترق السكون وتَصمّ الآذان، كأنها نذير خفيّ يوقظ فينا خوفًا دفينًا لا نملك له دفعًا.
ننتبه مذعورين، نتبادل النظرات المرتبكة، ونحوم حولها كطيور الحمام حول سرير أمّي، نقترب ثم نبتعد، نرفع الأكفّ بالدعاء وتختلط الكلمات بالدموع، في مشهد يمتزج فيه الرجاء بالانكسار. كانت طريحة الفراش، غائبة الوعي، خائرة القوى، نحيلة الجسم على غير ما عهدناها، واهنة الملامح، شاحبة اللون، كأن المرض سرق من وجهها ضياءه ومن جسدها دفأه. نبضها ضعيف يكاد يُلمس همسًا، وأنفاسها متقطعة، وجهاز التنفّس الاصطناعي يعلو صوته ويخفت، كأنه يصارع معنا للحفاظ على بقايا حياة في هذا الجسد المنهك.
في تلك اللحظات يتضاءل كل شيء… الكلمات، التماسك، حتى الإيمان بقوة الأطباء والعقاقير. نقف أمام هشاشتنا البشرية عراة من كل ادّعاء، لا نملك إلا التوسّل إلى الله أن يمدّ في الأجل، وأن يكتب لها الشفاء، أو أن يلطُف بها إن كان في علمه غير ذلك. تمرّ الدقائق ثقيلة كالساعات، وتصبح كل إشارة على الشاشة معركة بين أمل يتشبث بخيط رفيع وخوف يتربّص في الزوايا.
وهل ينفع العقّار إذا بليت الأجساد وهجم الموت الزعاف؟… ومن يدري؟
يبقى القلب معلّقًا بين السماء والأرض، بين قدرٍ مكتوب ورحمةٍ نرجوها، وبين يقينٍ بأن الأعمار بيد الله وحده، لا يقدّمها طبيب ولا يؤخرها دواء. وفي خضمّ هذا الامتحان العسير، لا نملك إلا أن نسلّم الأمر لمالك الأرواح، ونهمس في أعماقنا: اللهم الطف بها، فأنت أرحم الراحمين.
✍️ آبو ياسين