عشق في كبد الموت.. الأستاذ فيصل مرزوقي تونس .


 **بقلمي :عشق في كبد الموت (4)**


**ويمضي في طريق العودة، يمد يده إلى حاوية القمامة يتناول قطعة خبز بللتها الأمطار، يقضم منها قضمات أقام بهن صلبه، وواصل طريقه حتى أدرك المنزل، وما إن دخل غرفته حتى تهاوى إلى فراشه، وأغمض عينيه. ها هي أمه تناديه، صوت رخيم، ونظرة حنون. تسري في جسده موجة دفء، قشعريرة ناعمة، كاد طربا بها أن يطير من غير جناحين. إنه كعصفور في فصل الربيع، الحدائق غناء، والألوان تغري بالحياة.**


**دمعة حارة اندفقت من عينيه، تلتها أخرى، وتابعتها ثالثة، وتحولت الدمعات إلى بكاء حار، ثم تعالى نشيجه، لقد تذكر، ومتى نسي حتى يتذكر؟ لو تراه أمه الآن لماتت ألف موتة، ولو شاهد والده حالته الآن لابيضت عيناه حزنا وكمدا. ولكن ذاك زمن مضى، ومضى معه كل شيء، السعادة والفرح، بل مضت الحياة بطم طميمها.**


**عاد إليه تيبسه، تجمدت الدموع على خديه، ميت وهل يشعر الميت؟ وهل يتأثر الميت؟ الميت صحراء من الصقيع، مفاوز من الفراغ، متاهة من دخلها لا يخرج منها أبدا، بل لا يفكر في الخروج منها البتة.**


**ذات صباح وهو هائم على وجهه هبت نسائمها من حوله، خالطت أركانه، دبت في كل ثنايا جسده المتيبس الميت. نسمة عجيبة سحرية، رفع رأسه، مذ كم لم يرفع رأسه؟ شيء ما رفعه قهرا، عجب ما دفعه ليرفعه، لم يسعفه الوقت ليتساءل، لم تترك له اللحظة مجالا ليتعجب من نفسه، حدث له من القوة والجبروت ما دفعه ليحرك رأسه نحو الأعلى، ما كان له من حول ولا قوة ليقاوم أو يتراجع أو يتوقف، لم يسبق له أن اختبر هذه التجربة، هي بكل المقاييس تجربة فوق العادة، فوق العجب، إنها ببساطة تجربة فوق الوصف. لأول مرة، مذ أمد ليس بالهين، لا يوجعه مرور اللحظات، ولا يؤلمه تواتر الأحداث، ولأول مرة لا يرجو مرور هذا الحدث، كأي شيء عابر لا قيمة له.**


**فيصل مرزوقي  تونس**

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال