قصيدة "تسائلني الحروف" للشاعر علي الضبيبي تشكّل لوحة وجدانية شفافة ينسكب فيها الحنين فيضًا من الشوق والألم، وتلتقي فيها العاطفة العميقة بجمال التصوير الشعري. يفتتح الشاعر قصيدته باعتراف مؤلم بأن الحب لا يخلو من العذاب، بل هو شراكة في الوجع كما هو في العشق، فنراه يلبس الجراح ثوبًا ويتخذ من الدموع وسادة ومن الشجى شرابًا، في تشبيه بليغ يبرز مدى انغماسه في التجربة الشعورية حتى غدت الأحزان رفيقة يومه وليله. يواصل الشاعر رسم ملامح البعد بأسلوب عاطفي عميق، فيصور الحنين غيمًا من الشجون يتساقط بحرارة الوجد، ليجعل من الشوق مروجًا خضراء تبشر بالأمل والوصال رغم الفراق. وفي أوج الحنين، يتحول القريض ذاته إلى ملاذ، فالكتابة تصبح جسرًا يربط بين الغياب والحضور، وبين الألم والأمل. يحن الشاعر كما يحن الطائر الضائع إلى سربه، في استعارة مؤثرة تجسد ضياع الذات في متاهة الفقد، لكنه رغم ذلك لا يفقد الرجاء، إذ يرى في الغياب اقترابًا روحيًا يجعل الذكرى أكثر حياة. في النهاية، يبلغ النص ذروة التأمل حين يجعل الحروف كائنًا حيًّا يسأله عن رؤاها، فيرسمه الشغف جوابًا نابضًا بالحب والوفاء، ثم يختم بحلم التحليق نحو المحبوبة بجناح الطير، في صورة تنضح شوقًا وعذوبة. قصيدة علي الضبيبي تتوهج بعاطفة صادقة ولغة رفيعة، تمتاز بعذوبة موسيقية وثراء في الصور، لتجعل القارئ يعيش تجربة وجدانية تجمع بين لهيب الفراق وجمال الأمل، وتؤكد أن الشعر عنده هو نبض القلب حين يفيض وجعًا وحنينًا.