الفصل التاسع: زلزال الزفاف.. وهندسة الاستغناء
[اللحظة التي هزت كياني]
في ليلة زفاف أخي، وبينما كانت أنوار القاعة تتراقص وضجيج الفرح يملأ المكان، شعرتُ فجأة بزلزال داخلي. نظرتُ إلى أخي وهو يعتلي "منصة الفرح"، ووددتُ لو هززتُ الأرض معه فرحاً بقدماي، لكن كرسِيّ كان يذكرني في تلك اللحظة بحدودي الجسدية. انهرتُ بالبكاء، دموعاً لم تكن اعتراضاً على قدر الله، بل كانت "زفرة" روح تريد أن تعانق من تحب دون عائق.
لكن أخي "السند" لم يتركه بريق الفرح لينساني؛ نزل من منصته وجاء ليحتضن كرسِيّ ودموعي. في تلك اللحظة، بدأت رحلة "استرداد العقل" من براثن الحزن؛ أدركتُ أن السند لا يحتاج لأقدام، بل لقلبٍ نابض. أمسكتُ بـ "الميكروفون" وبصوتٍ هز أركان القاعة، ألقيتُ كلمتي. كنتُ جالساً في جسدي، لكنني كنتُ أقف بكلماتي فوق رؤوس الجميع، معلناً أن الحضور الحقيقي لا يحتاج لأقدام تسعى، بل لروحٍ تفرض وجودها.
[بين يدٍ ممدودة وخطواتٍ تبتعد]
في ليالي تفكّري التي تلت ذلك، بدأتُ أفهم حقيقة مؤلمة؛ أن تكون جالساً خلف مكتبك، تمد يدك بالعون، وتفتح عقلك لترمم كسور الآخرين وتمنحهم الأمل.. ثم تجد من ينفر منك أو يخشى الاقتراب من عالمك لأنك على كرسي.
كنتُ أسأل نفسي: لماذا ينفرون؟ هل لأن "الكرسي" مرآة تذكرهم بضعفهم البشري؟ أم لأن القوة التي تنبع من عيني وأنا جالس ترهب ثباتهم وهم واقفون؟ لقد تعلمتُ أن من ينفر من "شكلي" الظاهري، ليس مؤهلاً بعد ليسكن "عقلي" أو يستفيد من علمي.
إن "استرداد العقل" يعني أنني لم أعد أطلب القبول من أحد، بل سأظل ذلك "المكتب" المفتوح للجميع، وسأحول نفورهم إلى احترام، وإيمان بأن العقل لا يحده مكان.
[وحدي في منتصف الطريق.. حيث يبدأ الاستغناء]
لكن الدرس الأقسى كان "الخذلان". تلك اللحظة التي يقرر فيها أحدهم أن يترك يدك في منتصف الطريق ويختفي بينما الطريق لا يزال طويلاً والوحشة تحاصر المكان.
بكيتُ بصمتٍ لا يسمعه إلا الخالق، ثم اكتشفتُ الحقيقة الكبرى: إن الذي ترك يدي لم يكن يرى "عقلي"، بل كان يرى "عبئاً" جسدياً. إن خروج البعض من حياتي في قمة حاجتي إليهم هو في الحقيقة "تخفيف للأحمال" لكي أكمل الرحلة بتركيز أكبر. لقد كان الخذلان هو الاختبار الأخير في عملية "استرداد العقل"؛ فقد اكتشفتُ أن الوصول وحيداً بكرامة، خيرٌ ألف مرة من الوصول متكئاً على كتفٍ لا تؤمن بقوتك.
[خاتمة الفصل: منبر العقل]
في نهاية هذا الفصل، أريدكم فقط أن تنظروا إلى ذاك "المكتب" الصغير الذي أجلس خلفه. لقد اكتشفتُ أن العالم لا يعترف بالأقدام التي تمشي بلا هدف، ولكنه ينحني إجلالاً للعقول التي تبني وهي ثابتة في مكانها. كرسِيّ لم يكن يوماً قيداً، بل كان "المنصة" التي ارتفعتُ فوقها لأرى الحقائق بوضوح أكثر.
رسالتي الأخيرة: لا تقاتل لتسير على أقدامهم، بل قاتل ليحتاجوا هم إلى التفكير بعقلك.
التوقيع:
بقلم: #المهندس_أحمدحجازي
استرددتُ عقلي، فاسترددتُ معه كرامة الوجود، وما زلتُ واقفاً بقلبي، وإن ظل جسدي جالساً.
#استرداد_العقل
#المهندس_أحمد_حجازي
#خاتمة_الفصل_التاسع