بقلم الاستاذ الشاعرد. فاروق بوتمجت الجزائر

 أقلام تُدوِّن الكذب

في عصرنا المتحضّر جدًا، لم يعد الكذب جريمة، بل صار مهنة محترمة لها أقلام معتمدة، وأيادٍ مدرَّبة على التصفيق، وجماهير لا تطلب من الحقيقة سوى ألا توقظها من سباتها اللذيذ. أقلامٌ لا تكتب ما ترى، بل ما يُراد لها أن تراه، تخلط الوهم بالبلاغة، وتقدّم الأكاذيب في علب فاخرة تحمل ملصقات أخلاقية جذابة، لأن الكذبة إذا كُتبت بذكاء صارت رأيًا، وإذا صيغت بعناية تحوّلت إلى قناعة، وإذا تكررت بما يكفي أصبحت حقيقة وطنية لا يجوز الشك فيها.


أما الروايات الكاذبة فلا تولد صدفة، بل تُصنَّع في مخابر باردة، تُشرح فيها النفوس كما تُشرح الضفادع، ويُقاس منسوب السذاجة، وتُدرس ردود الأفعال، ثم تُخاط الأكذوبة على مقاس العقل الكسول، لا ضيقة فتُشكك، ولا واسعة فتُفهم، بل مريحة تمامًا… كسرير لمن قرر النوم طويلًا. بعدها تُطلق الكذبة في الفضاء العام تحت شعارات نبيلة، مرة باسم الديمقراطية التي لا يحق لأحد أن يسأل عنها، ومرة باسم الحرية التي تُسمح لك بالكلام بشرط أن تقول ما نريده، ومرة باسم حقوق الإنسان بشرط أن يكون الإنسان المقصود غيرك، ومرة باسم التعددية الثقافية بشرط أن تتعدد الآراء داخل الإطار نفسه.


والأكثر سخرية أن بعض الحمقى لا يُخدَعون فحسب، بل يتطوّعون للخديعة، يدافعون عن الكذبة بشراسة، ويغضبون إذا لامستها الحقيقة، لأن الحقيقة فظة، ثقيلة، بلا موسيقى، بينما الكذب أنيق، لبق، ويجيد مخاطبة العواطف أكثر من العقول. وهكذا تتواطأ الأقلام التي تكذب، والأيادي التي تصفق، والعقول التي تفضّل الراحة على الفهم، ليُستعبد الإنسان باسم القيم، ويُقاد باسم الوعي، ويُساق إلى القفص وهو يصفق معتقدًا أنه دخل مسرحًا.


وفي النهاية، لا أحد يكذب وحده، فالكذب مشروع جماعي: كاتب يزوّر، ومروّج يلمّع، ومصفّق يهلّل، ومُصدّق يبتلع… ثم نقف جميعًا بدهشة مصطنعة نسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ وكأن الحقيقة لم تكن تصرخ منذ البداية، لكن صوت التصفيق كان أعلى.... 


الأستاذ: فاروق بوتمجت( الجزائر 🇩🇿)

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال