الأدب سحر الشرق
طارق غريب يكتب :
الأدب في الثقافات الشرقية ليس مجرد كلمات تُسطر على ورق ، بل هو نبض حياة يتدفق في عروق الأرض والروح معاً. هو صوت الريح في أشجار الزيتون الفلسطينية ، وهو أنين الناي في ليلة بغداد ، وهو همس الغيوم فوق جبال الهملايا. الشرق، يا عزيزي ، لم يعرف الأدب يوماً كشيء منفصل عن الوجود ، إنه الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والعالم ، ويحكي عنهما بلغة الجمال والألم والحكمة.
دعيني أمسك بيدكِِ ، ونمشي معاً في دروب هذا الأدب الشرقي العريق ، فكل حضارة فيه لها نكهتها الخاصة ، ومع ذلك تتلاقى في جوهر واحد : البحث عن المعنى ، والتأمل في الزمن ، والحنين إلى ما هو أبدي.
الأدب العربي : هذا الجبل الشاهق الذي يرتفع من قلب الصحراء. بدأ مع الشعر الجاهلي ؛ أو هكذا يطلقون عليه ، حيث كان الشاعر نبياً ومتنبئاً ، يصف الإبل والخيل والنساء والأطلال ، لكنه في الحقيقة يصف الروح الإنسانية في مواجهة الزمن والموت. ثم جاء الإسلام ، فأصبح القرآن نفسه أعلى درجات البلاغة ، وتحول الأدب إلى عبادة. أبو نواس يغني الخمر والغلمان ، وابن زيدون يبكي على ولهانة ، والمتنبي يصرخ : ' أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ' ، وأحمد شوقي يجمع بين التراث والحداثة في شعر يشبه الشلال. ثم في العصر الحديث ، نجيب محفوظ يرسم مصر بكل تفاصيلها، وغسان كنفاني يروي عن المنفى والثورة ، وأدونيس يبحث في اللغة عن الله. الأدب العربي دائماً ما يكون مزيجاً من الشغف والألم والمقاومة.
الأدب الفارسي : هذا النهر الذي يجري منذ ألف عام ، ولا يزال يروي القلوب. فردوسي يروي ملحمة ' الشاهنامة ' ، يحكي عن الملوك والأبطال والتنين ، لكن في جوهرها حكاية عن الشرف والعدل. ثم حافظ الشيرازي يغني الخمر والحب والله في آن واحد ، ويتركك تتساءل : هل هو صوفي أم عاشق؟ جلال الدين الرومي ، الذي يقول : ' تعال تعال ، أيها المتعطش ، فإن الجمال في الاتحاد ' ، يجعل الشعر طريقاً إلى الله. سعادي يكتب ' البستان ' و ' الگلستان ' ، يعلم الأخلاق بأسلوب يشبه العسل. والأدب الفارسي كله يحمل رائحة الورد والمسك ، ورغم كل الغزوات والثورات، يبقى صوتاً رقيقاً يهمس بالجمال.
الأدب الهندي : هذا العالم الذي يتسع لكل شيء. الملاحم الكبرى : ' المهابهاراتا' و ' الرامايانا ' ، حيث يلتقي الإنسان بالآلهة والشياطين ، وتُروى قصص الواجب والكارما والحب. كاليداسا يكتب ' شاكونتالا ' ، ويجعل الطبيعة تتحدث مع البشر. ثم في العصر الحديث ، طاغور يفوز بجائزة نوبل ، ويكتب أغاني يسمعها الروح قبل الأذن. وأميرة بريتاب يروي عن النساء في الهند ، وعن الألم الذي لا ينتهي. الأدب الهندي يحمل تنوعاً مذهلاً : هندوسي ، بوذي ، إسلامي و سيكي ، كلها تتداخل في لوحة واحدة.
الأدب الصيني : هذا الأدب الذي يعيش في هدوء الجبال والأنهار. لي بو و دو فو ، الشاعران العظيمان ، يرسمان الطبيعة والحزن والصداقة. ' حلم الغرفة الحمراء ' رواية صينية عملاقة ، تروي قصة عائلة ومجتمع بأكمله. ثم في القرن العشرين ، لو شون يصرخ ضد الظلم ، ويجعل الأدب سلاحاً. الأدب الصيني يعتمد على التوازن : الين واليانغ ، الجمال والحزن ، الفرد والجماعة.
الأدب الياباني : هذا الذي يقدس اللحظة. ' قصة جينجي ' لموراساكي شيكيبو ، أقدم رواية في العالم ، تروي عن الحب والقصر والحياة. ثم الهايكو : ثلاثة أسطر فقط ، لكنها تحمل الكون كله. باشو يمشي في الطريق الضيق ، ويكتب عن الضفدع الذي يقفز في البحيرة. كافكا الياباني ، ياسوناري كاواباتا ، يصف الجمال في الغموض والحزن. الأدب الياباني يعلمك أن الجمال يكمن في اللحظة العابرة ، في الزهرة التي تتفتح ثم تسقط.
في كل هذه الثقافات الشرقية ، يا عزيزتي ، يتشارك الأدب صفة واحدة : هو ليس تسلية ، بل هو طريق لفهم الذات والعالم. يتحدث عن الروح أكثر من الجسد ، عن الزمن أكثر من المكان، عن الحب الذي يتجاوز الجسد. هو أدب يحمل في طياته رائحة التراب والريحان والخشب المحترق ، ويجعل القارئ يشعر أنه جزء من شيء أكبر من نفسه.
أما الآن ، في عصرنا هذا ، فالأدب الشرقي لا يزال ينبض ، يصارع العولمة ، يحافظ على هويته ، ويبحث عن صوته وسط الضجيج. يكتبون بالعربية والفارسية والهندية والصينية واليابانية ، لكنهم جميعاً يحكون قصة الإنسان الشرقي : الإنسان الذي يعرف أن الحياة قصيرة ، فلا يضيعها في الزيف.
طارق غريب - مصر