على حدود القلب
لم يكن القلبُ عند ذلك الرجل مجرد صندوقٍ للعواطف كما يظنّ الناس، بل كان دولةً داخلية لها حدودٌ غير مرسومة، وتاريخٌ غير مكتوب، وجيشٌ من الذكريات يحرس مداخلها. وكانت بوّابات هذه الدولة تفتح لمن يشاء العقل أن يرحّب به، وتغلق حين يشاء الخوف أن يعتزل العالم.
في ليلةٍ مسائية كثيفة الضوء، وقف الرجل عند تخوم قلبه يراقب وفود الرغبات تتزاحم لطلب الدخول. تقدّمت أولًا "الحنين"، ورفعت راية الطفولة قائلةً:
«إن لي إقامةً قديمة في هذه البلاد، فلا تمنعني العودة».
أجابها الحارس بخشوعٍ مُرتاب: «إن الحدود تغيّرت يا أميرة الذكريات، وما عاد القلب يسمح لمن يوقظ مواجعه».
ثم جاءت "الحبّ" بثيابٍ من نور، تتهادى بثقةٍ لا تشبه أحدًا، وقالت: «أنا سيّدة هذه الأرض، وقد كنتُ يومًا ملكتها».
ابتسم الحارس لأول مرة، ثم أشاح بوجهه: «تعلمين أنّ التاج الذي وضعته على رأسك لا يزال يجرحنا، فكيف أسمح لك؟»
دنت "الخسارات" في آخر الصفّ، تجرّ وراءها سنواتٍ من الإنهاك، ولم تطلب الدخول، اكتفت بالسير بمحاذاة السور، كأنها تذكّر الدولة بأنها نمت في الظلال وليس في النور.
أما "النسيان"، فلم يأتِ إلا بعد طول انتظار. جاء بلا حقائب، بلا هوية، وبلا خطاب، وقف عند البوّابة وقال:
«افتح، فلستُ أطلب العزاء ولا الانتصار، بل أطلب ترتيب الفوضى فقط».
ارتبك الحارس… فمن ذا يغري السلطة بالنظام؟ ومن ذا يغري القلب بالخفة؟
حين بلغ التردّد ذروته، جاء صوتٌ من الداخل، صوت "الوعي"، لم يكن ملكًا ولا نبيًّا، لكنه كان المستشار الأبدي بين القلب والعقل. قال بصوت بارد حازم:
«هذه الحدود وُضعت لحماية الدولة لا لسجنها. فافتحوا البوّابة لمن يعيد التوازن، لا لمن يبدّد السيادة».
فأُذن للنسيان بالدخول، لا ملكًا ولا غاصبًا، بل عامل إدارة يرمّم ما تهدّم.
وتأمّل الحارس المشهد: الحنين يبتعد قليلًا دون أن يختفي، الحب ينتظر دون أن يطالب، والخسارات تستلقي كجنودٍ نائمين بعد معركة طويلة.
وفي تلك اللحظة، دخلت الثقة، بلا ضجيج، كشمس صغيرة تحرق الظلال الخادعة، تمشي على طرق الحب والحنين والخسارات، ترفع الهامات دون أن تتباهى، وتقول بصوت لا يسمعه إلا الداخلون:
«أنا الطريق الذي يجعل القلب دولة حية، لا ساحة للانتظار أو البكاء».
وعلى حدود القلب، كتبت الدولة دستورها الجديد:
«لا ينتصر القلب حين يحتلّه حبٌّ واحد، بل حين تتعايش فيه أحواله دون حرب، ويصعد النور فوق الظلال، فتستقيم الدولة الداخلية».
ومن يومها لم تعد تلك الأرض مجرد دولة هشّة، بل وطن داخلي واسع يتّسع للخراب كما يتّسع للشفاء، ويستمد شرعيته من القدرة على البقاء، ومن حضور الثقة والوعي داخل كل زاوية من القلب.
بقلم فادي عايد حروب (الطياره) فلسطين – جميع الحقوق محفوظه